Translate

الثلاثاء، أغسطس 25، 2026

نكتة للاستجمام/ إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ

 نُكْتَةٌ لِلِاسْتِجْمَامِ/ إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ 


فِي جَلَساتِ الْأُنسِ مَعَ الْأَحِبَّةِ مِنَ الْجاليةِ الْاِفريقيةِ فِي أُورُبا كُنتُ أسْتَمْلِحُ الطُّرَفَ التِي اتَّفَقَتْ لِبَعْضِهم، ولولَا اسْتِيقانِي بِصِدْقِهِمْ لَمَا أَلْقَيْتُ لَهمْ سَمْعًا، ولَمَا لَفَتُوا لِي انتِبَاهًا، ثُمَّ إِنَّنِي أَبَحْتُ لِنَفْسِي اسْتِعراضَ مَا جرَى بينِي وبينهم مِّنْ أَحاديثَ مُتَجَنِّبًا التصريحَ بِالْأَسماءِ، بَعْدَمَا مَرَّ على تلكَ الْمَاجَرَيَاتِ زُهَاءُ ثلاثةِ عقودٍ، وسأتناولُها قِصةً قِصةً بِحسَبِ الْمِزاجِ، والظرْفِ، والْباعِثِ،

مِن ذلِكَ مَا حَكَاهُ أَحَدُهم: أَنَّهُ ضَاقَتْ عليْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وركِبَتْهُ الديونُ، وَاشْتدَّ بِهِ الْغَمُّ، وعَظُمَ عَليْهِ الْكَرْبُ، فَلمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ خِيَارٍ إِلا الِانتِقالُ إِلى مَدِينةٍ لم يَزْدحِم على أَحْيائِها الْمُشَعوِذونَ بَعْدُ؛ فَاسْتَأْجَرَ فِي إِحْدَى عِماراتِها، وبَدَأَ يُرَتِّبُ أَمْتِعَتَهُ وأدَواتِهِ، وَمَا كَادَ يَنتَهِي مِن ذَلِكَ حتَّى رَنَّ جَرَسُ الْبابِ، فَنظرَ مِنَ الْمِرْآةِ السحريّةِ فَرَأى رجُلًا تَبْدُو عليهِ مَخايِلُ النِّعمةِ والثَّراءِ، فَعَجِبَ لِذلكَ أَيَّمَا عَجَبٍ، خاصةً أنَّهُ لم يَشْرَعْ فِي الدعايَةِ لِنفْسِهِ بَعْدُ، ثمَّ قالَ مُحَدِّثًا نَّفسَهُ هذَا حَظٌّ ساقَهُ اللهُ إِلَيَّ رُبَمَا استِجابةً لدعوةٍ دعَا لِي بِها أحدٌ أَحْسنتُ إِلَيْهِ، وَما قطَعَ مُحادثتَهُ لِنَفْسِهِ إِلَّا تَتَابُعُ رَنِينِ جَرَسِ الْبابِ، فَفَتَحَ فَإِذَا بِالرجُلِ يَدْخُلُ صَامِتًا يُوَزِّعُ نَظراتِهِ الْحادَّةَ في كلِّ زَاوِيَةٍ وَنُقْطَةٍ، ثُمَّ مَا لَبِثَ أَنْ أخْرَجَ مُسَدَّسًا صَوَّبَهُ على جبْهةِ صاحِبِنَا، قَائِلًا لَّهُ: حَيْثُ تَمَكَّنَ صَاحِبُكَ مِن سرِقةِ مَالِي كلِّهِ وهرَبَ، فأنتَ عِوَضٌ كَرِيمٌ عَنْهُ، سَأَقْتُلُكَ مَكَانَهُ!!!

بَقِيَ صاحِبُنَا فِي صَدْمةٍ هَائلةٍ وذُهُولٍ وحَيْرةٍ، إِذِ انتَقَلَتْ حالتُهُ النفسيةُ مِن أَقْصَى رَجاءٍ إِلى أَقْسَى خَيْبةٍ! لكِنَّهُ سرْعانَمَا أدْرَكَ أنَّ هذا الْأوربيَّ الْغاضِبَ يُمْكِنُ أَنْ يَّسْحَبَهُ مِن الْحياةِ الدنيا إلى الآخرةِ بِطَلقةٍ من مُّسدَّسِهِ، وأنَّ عليْهِ صِيَاغةَ حِيلةٍ مُّحْكمَةٍ فَوْريَّةٍ تُنقِذُهُ مِن شرَكِ الْموْتِ وحَبَائِلِهِ في ثَانِيَةٍ أوْ ثانيَتَيْنِ! فَإِذَا أَبْطَأتْ بِهِ حِيلتُهُ أَسْرَعَتْ إِليْهِ مَنِيَّتُهُ، فقَهْقَهَ قَهْقَهَةً أَتْبَعَهَا بِضَحِكَاتٍ عالِيَةٍ مُشِيرًا بِإِبْهامِهِ الْمُرْتَعِشِ إلى فُوهةِ الْمُسدَّسِ! فأَخَذَتِ الْحَيْرةُ الْأورُبِّيَّ كُلَّ مَأْخَذٍ، وحَاوَلَ تَفَادِيَ تَغْيِيرِ تَصْمِيمِهِ، وَرُوَيْدًا رُوَيْدًا خَضَعَ لِلَا شُعورِهِ، فَالْتَقَطَ أَخُونَا رَأْسَ الْخَيْطِ مِن بَيْنِ كُومةٍ مِّنَ الْيَأْسِ، وبَادَرَ إلى اغْتِنَامِ اللحْظةِ السانِحةِ قَائِلًا لِّلْأوربِّيِ: عليكَ أن تسْتفسِرَ عن سِرِّ ضَحِكاتِي؟ إنَّ الْمُسدَّسَ الذي في يدِكَ، أنتَ تَظُنُّهُ مُصوَّبًا إِليَّ هو فِي الْحقيقةِ مُصوَّبٌ عليكَ أنتَ، وأيُّ طلقةٍ مِّنْهُ سَتَسْتَقِرُّ فِي بَدنِكَ، صَدِّقْ أَوْ كَذِّبْ! إِنني غَيرُ مُهتَمٍّ بَعْدَمَا نَبَّهْتُك!

بَدَأَ الأوربيُّ يَهْدَأُ تَدْرِيجِيًّا إِلى أن ردَّ الْمُسَدَّسَ فِي غِمْدِهِ، وتقدَّمَ إلى كُرْسِيٍّ فَقَعَدَ قِعْدَةَ الْمُنْهَكِ الْخَائِرِ الْحَائِرِ، فَبَصُرَ بِهِ أَخُونَا وَهو بَيْنَ أَمواجِ الْغَمِّ تَتَقاذَفُهُ، تَعْلُو بِهِ وَتَهْوِي، فاقْترَبَ مِنْهُ طَالِبًا أنْ يُّحَدِّثَهُ عَن شَأْنِهِ، وبِأيِّ كَيْفِيَّةٍ نَصَبَ عليهِ الْإفريقِيُّ الذي خلَفهُ صاحِبُنَا نَفْسَ اليومِ فِي تلْكَ الْغُرْفةِ؟!

شَرَعَ الْأوربِّيُّ في الحديثِ وَقَدِ اقْتَنَعَ بِلَا جَدْوائِيِّةِ أَخْذِ الْبَرِيءِ بِجَرِيرةِ الْمُجْرِمِ، وبيَّنَ كَيْفَ وقَعَ ضَحِيَّةً للدِّعايةِ التي زعمَ فيها الْمُدَّعِي أنَّهُ بِقُوَى خارقةٍ يَستطيعُ فِعْلَ أيِّ شَيْءٍ! فلما جاءَهُ في ذاتِ الْغرفةِ قال لهُ الإفريقيُّ جِئْنِي بِكُلِّ نُقودِكَ فسأُضاعِفُها لك بينَ يديكَ في دقيقةٍ واحدةٍ أَضْعافًا، قال الأوربيُّ ففَعلتُ ما طَلبَهُ، وتَسلَّحْتُ بِمُسدَّسِي، فالْمبلغُ كَبيرٌ، ولا بُدَّ مِنَ الْحِمايةِ والتَّحَرُّزِ، قال الإفريقي إن عليهِ الْقِيامَ بِطقوسٍ خاصةٍ ضروريةٍ قبل البدْءِ بِعمليةِ مضاعفةِ النقودِ! فأطلقَ بُخورًا كثيفا، وبعدَ بُرْهَةٍ بَدَأَ يَصرُخُ ويَسْتَغِيثُ ويُشيرُ عليَّ أنه لا بُدَّ مِنْ إحضار ماءٍ ليشربَ، وتَصرَّفَ تَصرُّفًا حَسِبْتُهُ يحْتضَرُ! فهَرَعْتُ إِلى خارجِ الْعمارةِ لِجلْبِ الماءِ من أقربِ محلٍّ، فلمَّا عُدتُّ وَجدتُّهُ غادَرَ بِجميعِ مالِي، ولمْ أعْرِفْ لهُ خبرًا حتى أُعْلِمْتُ أن سيارةً كانت تنتظرُهُ لحظةَ خروجي لِجلْبِ الْماءِ قدْ غادرَتْ بِهِ إلى الْمَطار، فانقطعَ أَثَرُهُ وخَبرُهُ، ثُمَّ إنني وَاصلْتُ مُراقبةَ الْعمارةِ والغرفةِ إلى أن لَّحَظْتُ قُدومَكَ أَنتَ فَجرَى مَا جرى!

قال صاحِبُنا: فَبَدَأْتُ أُكلِّمُهُ بِلُطْفٍ، وأواسِيهِ تارةً، وأنظرُ كيفَ يُمْكِنُنِي أنْ أُحَوِّلَهُ إِلى زَبونٍ يُفِيدُنِي، فمَكثْتُ أيَّامًا يَسيرةً لا أطْلُبُ مِنَ المَالِ إلا ما يُغَطِّي نَفَقةَ عودتِي مِنْ حَيثُ أتيتُ، قانِعًا مِّنَ الْغنيمةِ بِالْإِيابِ.

ليست هناك تعليقات:

نكتة للاستجمام/ إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ

 نُكْتَةٌ لِلِاسْتِجْمَامِ/ إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ  فِي جَلَساتِ الْأُنسِ مَعَ الْأَحِبَّةِ مِنَ الْجاليةِ الْاِفريقيةِ فِي أُورُب...