مُخْطِئٌ مَّنْ يَّرْمِي الْعُبَّادَ الزُّهَّادَ بِالدَّرْوَشَةِ ،وإِغْفالِ الشَّأْنِ الْعامِّ ،ويُفَسِّرُ الْعلاقةَ الطيِّبةَ بينهم وبين الْمُسْتَوِينَ على كُرْسِيِّ السلطَةِ بِالسَّعْيِ إلى الْمُحافظةِ على مَكانتِهمُ الاِجتماعيةِ ،ونُفوذِهمُ الرُّوحِيِّ ،
إن هؤلاءِ الْعُبَّادَ الزُّهَّادَ قائِمونَ بِحُكْمِ الْحالِ بِمُهِمَّاتِ الدَّوْلةِ على حسَبِ إِمْكاناتِهم وظروفِهم :مَالُهُم - حالَ الْيَسَارِ - مُشترَكٌ بينهم وبين الْمُحتاجِين ،وأبوابُهم مفتوحةٌ لِّلْمُضْطَرِّينَ ،وجاهُهم مَّبْذولٌ لِّلْمُسْتَنجِدينَ ،ودُعاؤُهمْ واسْتِغاثاتُهمْ لِلنَّاسِ أَجْمَعينَ ،يُعَلِّمونَ بِلَا مُقابِلٍ يَنتَظرُونَهُ أَوْ يَجْرُونَ وراءَهُ ،
فإذا اتَّسَعَتْ دائِرةُ الْمُرِيدينَ ،وأَتَى الْمَوْلَى الْكريمُ بِخَيْرٍ مِّنْ عِندِهِ وَافِرٍ كَثِيرٍ تَبَلْوَرَتْ حَالةٌ إدارِيَّةٌ أَكْثَرُ شَبَهًا بِإداراتِ الدَّوْلةِ مِن قَضاءٍ وتعليمٍ وَاقْتِصادٍ ،وعلاقاتٍ خارجيَّةٍ ،وأَخَذَ الشيخُ صُورَةً أَقْرَبَ لِلْأَميرِ أَوِ الْمَلِكِ بِسَبَبِ ضَغْطِ الْحاجاتِ الْمُسْتَجِدَّةِ ،وفي هذه الحالةِ يُدْرِكُ هُوَ ،ويُدْرِكُ مُرِيدُوهُ ،بِأنَّهُ لا يَحْتَكِرُ لِنَفْسِهِ وَلايةً ،ولا صلاحًا ،ولا كراماتٍ ،فهوَ يُقِرُّ لِكُلِّ ذِي فَضْلٍ بِفَضْلِهِ ،وفي حالاتِ وُجودِ التحديَاتِ الْوُجُودِيَّةِ يَتَنَامَى هَاجِسُ الْأَمْنِ فَتَتَشَكَّلُ قُوَّةٌ " عسْكَرِيَّةٌ " دِفاعيةٌ ،ثمَّ تَكونُ دِفاعيةً وهجوميَّةً مَّعًا ،
كلُّ ذَلِكَ مَحَلُّهُ فَتَراتُ انْعِدامِ سُلْطةٍ مَّرْكزيةٍ جامِعةٍ ،
وفي حالةِ وجودِ هذه السلطةِ ،وشعورِ هؤلاءِ الْعُبَّادِ بِوُجُودِ جِهةٍ ذاتِ أداءٍ أَفْضلَ مُجْمَعٍ عليها ،فإنهم يَنضَوُونَ تَحْتَ لِوائِها سَنَدًا وعَوْنًا لَّها ،مُفَضِّلِينَ ذَلِكَ على مُغَالَبَتِها ومُجابَهَتِها ،مَا اسْتَمَرَّ الْهدَفُ الذي يَسْعَوْن لَهُ مُتَحَقِّقًا ولو تَحَقُّقًا جُزْئِيًّا ،فَالْأَصْلُ عِندَهُمْ أَنَّ مَن كُفِيَ فَقَدْ أُعِينَ ،وهذا يُفَسِّرُ حَقيقةَ الْعلاقاتِ الطيبةِ التي تَرْبِطُهم بِالدَّوْلةِ .