بَعْضُ صُوَرِ الْجُنونِ في " الْحضارةِ الْمُعَاصرةِ " / إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ
كتابُ السِّرِّ الأسْترالِيُّ ،وهَوَسُ بعْضِ الناسِ بِخَرْقِ الْعادةِ وَتَسْخِيرِ الْعفاريتِ ،وَجُنُونُ التكنولوجيا الْمُطْبِقُ ،بَعْضُ مُمَيِّزَاتِ " الْحَضارَةِ الْمُعاصِرةِ " التي تَتَّخِذُ مِنَ الْمَالِ رَبًّا يُعْبَدُ مِن دونِ الْواحِدِ الْأَحَدِ الْفرْدِ الصَّمَدِ جَلَّ جَلَالُهُ !
سَأُضْطَرُّ إِلَى تَنَاوُلِ كُلِّ عُنْوَانٍ مِنْ خِلَالِ كلماتٍ يَسيرةٍ تُؤَدِّيهِ إِلَيْكَ بِلَا رُتوشٍ أَوْ تَزْوِيقٍ ،إن شاءَ اللهُ :
1- كتابُ السرِّ لِمُؤَلِّفَتِهِ الْأُسْتراليةِ رُونْدَا بَايْرِينْ ،وَقَدْ أثارَ ضجةً مَّا يَزَالُ صَدَاهَا مُدَوِّيًا ،
وَمَا هو في حَقيقتِهِ إِلَّا تَشْوِيقٌ سَخِيفٌ لِّمَرْضَى الْقلوبِ وضَعَفَةِ النُّفوسِ ؛إِذْ يَدَّعِي لَهم بِأنّ النفسَ الْبشريّةَ قادرةٌ على جَذْبِ أَمَانِيِّها وأحلامِها مُحَقَّقَةً بِمُجرَّدِ التَّفْكيرِ الإيجابِيِّ أوِ التأمُّلِ أو دَوَامِ اسْتِحضارِ صوَرِهَا ذِهْنِيًّا ،
وهذا – لَعَمْرِي – إِحْدَى صُوَرِ تَفَوُّقِ شَيطانِ الْإِنسِ على شيطانِ الْجِنِّ فِي الْكذِبِ والْخِداعِ وَسَرِقةِ الْعقولِ !
2- أمَّا هوَسُ بَعْضِ الناسِ بِخَرْقِ الْعادةِ وتَسْخيرِ العفاريتِ فهو دَاءٌ قدِيمٌ ،ولكنه اسْتَفْحلَ في زمانِنَا هذا وتَنَمَّرَ واسْتَرْجَلَ وَطَغَى وَفَشَا فُشُوًّا كَبِيرًا ،
وَقَدْ ذكَرَ لِي بَعْضُ الْمُبْتَلِينَ بِذلك في تِسعيناتِ القرنِ الْمِيلادِيِّ الْماضِي أن بعضَ الْمُتَزَبِّبِينَ وهو في حَقيقتِهِ حِصْرِمٌ قَامَ بِإِدْخَالِ أَحَدِ مُرِيدِيهِ في " الْخَلْوَةِ " وكَانَ يَتَرَدَّدُ عليهِ يَوْمِيًّا لِّيُشَجِّعَهُ وَيُمَنِّيَهُ ويُخْبِرَهُ بِأنَّ الْأرواحَ قد تَّطْلُبُ مِنْهُ صَدَقَةً قَد تَّكونُ شَاةً مَّثَلًا ،
وكانَ الْمُرِيدُ مَعْرُوفًا بِحَماسِهِ الشدِيدِ وشِدَّةِ مُبالَغَتِهِ فِي أعمالِهِ ،
وذاتَ يَوْمٍ دَخَلَ عليه " الشيخُ " على عادتِهِ معَهُ ،وكَانَ الْعَيَاءُ قَدْ أَضَرَّ بِهِ ،وَسَبَّبَ لَهُ غَبَشًا فِي الرُّؤْيَةِ ،وهَلَاوِسَ وَوَساِسَ ،وَمَا إِنْ بَدَأَ " الشيخُ في طمْأَنتِهِ وتشجيعِهِ حَتَّى قَامَ إِليهِ فَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ثُمَّ قَلَبَهُ عَلى وَجْهِهِ واضِعًا رِّجْلَهُ على صَفْحَةِ عُنُقِهِ ؛وأَشْهَرَ سِكِّينًا وقالَ :بسم الله ،اللهُ أكبرُ ،اللهم إني نويتُ التصدُّقَ بِشاتِي هذهِ لِتُيَسِّرَ لِي أمرِي وَتُؤْتِيَنِي سُؤْلِي ،
فَصاحَ الشيخُ بِأعلى صوتٍ قائلاً أنا شَيْخُكَ يا مجنونُ ! أنا شيخكُ !. أغيثونِي أيها الجيران !تَدَارَكُونِي !
أما الْمرِيدُ الْمُصابُ في عَقلِهِ فإنهُ ذَبَحَ شيْخَهُ مُعْتقِدًا أنه شاةٌ !
ووصلَ الْجيرَانُ على الْفَوْرِ ،لكنّهم فُوجِئوا بذَلكَ الْمَشْهَدِ الرَّهِيبِ ،وجاءَتِ السلطاتُ لِتَقومَ بِعَمِلِها الْمُناسبِ .
3- أما عن جنونِ التكنولوجيا فإنني طَالَعْتُ أَمْسِ أخْبارًا عنْ " آبلْ فِيجْيُنْ " ،وشاهدتُّ فيديوهاتٍ تُظهِرُ مُقْتَنِيهِ ،وهم يَرْتدونَهُ على عُيونِهم ،ويُحَرِّكونَ أنَامِلَهم في الْفضاءِ ،تَحْسبُهم في بعضِ الْحالاتِ كَالْمُوزّعِ الْمُوسِيقيِّ لِإحدَى سمفونِيَّاتِ بِيتْهوفنْ على أركَسْترا بَرْلِين الْفِيلْهارْمونِيَّةِ !
وَأَحْيَانًا تَحْسبُهمْ يَتَدَرّبونَ على لُغةِ الْإشارةِ رجاءَ تَرْجمةِ خِطابِ تَأْمِيمِ ثرواتِ إفريقيا مِن رأْسِ الرجاءِ الصالحِ إِلَى جَبَلِ طارِق ،وَمِن الْقرْنِ الْإِفريقِيِّ ومدَغَشْقر إلى المُحيطِ الأطلسيّ !
ثمّ تَعودُ إليهم فإذا بِكَ في عالَمٍ تَعَدَّتْ فِيهِ سَيْطرةُ العالمِ الِافتراضِيِّ حدودَ التخاطبِ لِتَمْتَدَّ إلى السيطرةِ على الأيْدِي وأنامِلِها حَيْثُ لَمْ يَبْقَ لِلعالمِ الْحقيقيِّ إلا الأرجلُ والْبُطونُ !!