لِكَيْ نَتَفَهَّمَ حَقيقةَ السفيهِ /إبراهيم بنُ موسى بن الشيخ سِيدِيَ
الْأَدَبُ الْعَرَبِيُّ جَنَّةٌ مِّن جَنَّاتِ الدُّنْيَا ،وقَاموسٌ مِّن قَوَاميسِ الْحَيَاةِ ،يَفُكُّ طَلَاسِمَها ،ويَشْرَحُ مُنْعَجِمَ مُفْرَدَاتِ أَلْغَازِها ،وَمُؤَخَّرًا بَلغَنِي تَحَيُّرُ بَعضِ النَّاسِ مِن شِدَّةِ تَحامُلِ أحَدِ الْأَغْمارِ على الْمُسالِمِينَ ،وتَطَاوُلِهِ عليْهِمْ ،وأَنَّهُ لَمْ يَنجُ مِنْ أَذَاهُ حَتَّى أُولئِكَ الْمَوْتَى الذِينَ تَدَرَّعُوا بِقُبورِهمْ ،وخَلَّفُوا الدُّنْيَا وَمَشاكِلَها ومشاكِلَ أَهْلِها خَلْفَ ظُهُورِهم ،فَأَقَلُّ وَاجِبٍ لَّهم على كلِّ ذِي لُبٍّ هو مُسالَمتُهم !
فلمَّا رأيتُ شِدَّةَ حيرتِهم ،وتعاظُمَ دَهْشَتِهمْ ،قُلْتُ :انظُرُوا فَلعلَّهُ عَاشِقٌ خَابَ أَمَلُهُ ،وَانقَطَعَ رَجاؤُهُ ،وَرَجَعَ مِن مَّسارِحِ الْغَرَامِ بِخُفَّيْ حُنَيْنٍ ،وجابَهَتْهُ سَالِبةُ فُؤادِهِ بِمَا أَطَارَ لُبَّهُ ،وفَطَرَ كَبِدَهُ ،وشَطَرَ قَلْبَهُ ،
فمَا أفاقَ مِن صَدَماتِهِ وكَمَدَاتِهِ إِلَّا بِحَسْرَةٍ وغُمَّةٍ أَوْرَثَتَاهُ الْجُنونْ ،فَأَصبَحَ لا يَتَمَنَّى لِلناسِ إِلَّا الْمَتَالِفَ وَالْمَنُونْ ،وَاسْوَدَّتِ الدُّنْيا في نَاظِرَيْهِ ،فَجَمِيلُها قَبِيحٌ ،وصالِحُها طَالِحٌ ،وَأَخْيَارُهَا أَشْرَارٌ ،وَثَوَابِتُ مُجْتَمَعاتِها عَدَمْ ،قَدْ زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمْ ،لَا سَلِمْ ،
فَتَذَكَّرُوا مَعِي قَوْلَ عُرْوَةَ بْنِ حِزامٍ في عَفْرَاءَ ،وَتَحْدِيدًا دُعاءَهُ على عَمِّهِ الذي حَرَمَهُ الزواجَ مِنْها :
فَيَا عَمِّ يَا ذَا الْغَدْرِ لا زلْتَ مُبْتلًى
حليفًا لهمٍّ لازمٍ وهوانِ
ولا زِلْتَ في شوقٍ إلى مَنْ هَويتَهُ
وقلبُك مَقْسُومًا بكلِّ مكانِ
غَدَرْتَ وكان الغدرُ منك سجيّةً
وألزمْتَ قلبي دائمَ الخفَقانِ
وأوْرَثْتَنِي غمًّا وكرْبًا وحسرةً
وأوْرَثْتَ عَيْنِي دائمَ الْهَمَلَانِ
فَالْحِرْمانُ والْيَأسُ أَصْلٌ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ الْجُنونُ والسَّفَهُ اللَّذَانِ هُما أَخَوَا الْكُفْرِ مِنَ الرَّضَاعْ ،وَشَقِيقَا الْهَلاكِ والضَّيَاعْ .