العبودِيَّةُ الوظيفيةُ واسْتِرْقاقُ الناسِ بِالراتبِ /إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ
مِن لَّعَناتِ الدَّولةِ الْمَدنِيَّةِ الْحديثةِ قِيامُها على هذا المِنْهاجِ السَّيِّئِ مِنْهاجِ الْوظيفةِ الذِي يَفْقِدُ بِسبَبِهِ الْإِنسانُ كرامتَهُ وشَهامتَهُ وأَنَفَتَهُ ،ويَبْتَلِعُ كِبْرِيَاءَهُ وَشرَفَهُ ،
إنَّ الْإِنسانَ الذي خلقهُ اللهُ مُكَرَّمًا تَضِيعُ كرامَتُهُ منذُ لحظاتِهِ الأولى التي يَتَقلَّدُ فيها وَظِيفةً مَّا ،فهو يَجِدُ نَفْسَهُ فِي عَمَلِيَّةِ مُعاوَضةٍ يَبْذُلُ مِنْ خِلالِها حُرِّيَّتَهُ وذِمَّتَهُ وجُزْءًا كبيرًا مِّنْ عَقْلِهِ إِن لَّم يَكُنْ عَقْلَهُ كلَّهُ مُقابِلَ مُرَتَّبٍ شَهْرِيٍّ وبَدَلاتٍ ،وتَحاشِيًا لِّبَشَاعةِ هذه الصورةِ ونُفورِ النفوسِ مِنْها فإنّها تُدْهَنُ بِصِبْغةِ الْحاجَةِ القاهرةِ والْعُمُومِ الْمُسَوِّغِ وَانْعِدَامِ الْبَدِيلِ الْكُفْءِ !!
إنَّ الْمُوَظَّفَ الذي أصبحَ عَبْدًا بِالتوظيفِ أوِ التَّعاقُدِ مع رَبِّ الْعملِ يُعَدُّ فِي وَضْعِيَّةٍ مُّثيرَةٍ لِّلشَّفَقَةِ مَهْمَا عَلَا راتِبُهُ وتَرَفَّهَ في حياتِهِ ،فهو لا يَتَمَتَّعُ بِنِعْمَةِ أُصولِ الْحياةِ التي هي العقلُ والنفسُ والدينُ والمالُ والْعِرْضُ تَمتُّعًا مُّناسِبًا ،وقد تَّسغرِقُ الْوظيفةُ كامِلَ سِنِي عَطائِهِ ،حيثُ يُحالُ إِلَى التّقاعُدِ رِمَّةً بَاليَةً في قاعةِ انتِظارِ فِرَاقِ الدنيا مُقْتَاتًا طوالَ فترةِ الِانتظارِ هذه على مَعاشٍ لا يَبْلُغُ بِهِ عَتَبَةَ الْكَفَافِ !! وهو مع هذه الحالةِ البائسةِ محْظوظٌ قِياسًا على الْمُسْتَقِيلينَ والْمَطْرُودِينَ !
ثُمَّ إِنّ الْموظَّفَ والمُتعاقِدَ والْمُتدَرِّبَ عُرْضَةٌ لِّلِامْتِهانِ مِن الْمُدِيرِ أوِ الْكبيرِ بَلْهَ الِاسْتِغْلالَ ،والِاعْتدَاءَ الْجَسَدِيَّ واللَّفْظِيَّ ،والتحرُّشَ ،وشِبْهَهُ ،
وتكونُ جُهودُهُ وإبداعاتُهُ ونجاحاتُهُ مُضافَةً ظُلْمًا إلى صحِيفةِ إنجازاتِ كَبيرِهِ ،ويَتَحمَّلُ إخفاقاتِهِ وإخْفاقاتِ كبيرِهِ وإخفاقاتِ حَيثُ يَتَوظَّفُ ،
فَهَلْ نَنتَظرُ مِنْ هذا الْمِسكِينِ الْمُحْتَقَرِ إِخلاصًا وصِدْقًا وأمانةً وصمودًا في وجْهِ الإغراءاتِ الماليَّةِ كَالرُّشَا وغيرِها ؟
إنني لا أسْتَهدِفُ مِنْ هذه الكِتابةِ نَقْدًا لَّاذِعًا جالِدًا جَارِحًا لِّحالةٍ عَمَّتْ بِهَا الْبَلْوَى في دولٍ قاربَ تَعْدَادُها مِائَةً وثلاثًا وَتِسعِينَ دَوْلةً ،ولا لِلتهاوُنِ بِالْقُدُراتِ العقليَّةِ لِبَشَرٍ يُقارِبُ تَعدادُهم سَبْعةَ مِلْيارَاتٍ ،ولكنها لَذْعَةُ نَارٍ تَكْوِي قلوبًا تَنبِضُ وأكْبادًا رَّطْبَةً ،لم تُثِرِ اهْتِمَامًا يُذْكَرُ ،ولا سَعْيًا مِّنْ أجْلِ حَلِّها يُشْكَرُ ،فَعَسى اللهُ أَنْ يَّاتِيَ بِالْفتْحِ أَوْ أمْرٍ مِّنْ عِندِهِ ،فإن العقولَ بِيعَتْ ،والرِّقابَ خَضَعَتْ ،والنفوسَ خَنَعتْ ،ولا حول ولا قوةَ إلا بِاللهِ .