مَعْنَى الْمَعْصِيَةِ – عَصَمَنَا اللهُ وإيَّاكم مِّنْهَا - /إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ
قَال الله عزَّ وَجلَّ : " وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ "،
اِفْهمِ الْمِقْدَارَ عَلى أنَّهُ قَدْرٌ مُّعَيَّنٌ ،كَمِّيَّةٌ مُّعَيَّنَةٌ ،طَاقَةٌ مُّعَيَّنَةٌ ،
وعلى ذلك فإن الطاعةَ مِقْدَارٌ ،والْمَعْصِيَةَ مِقدارٌ ،وبِالِاسٌتنبَاطِ والِاسْتقراءِ وجَدتُّ أنَّ :
- مِقدَارَ الطاعةِ ضَبَطَهُ اللهُ بِالشَّرْعِ فَهُوَ مَبْذُولٌ فِيهِ ،
- وأنَّ مِقدارَ الْمعصيةِ بَاقٍ تَحْتَ تَأثِيرِ الطَّبْعِ وَالْغَرِيزَةِ ،وقَدْ خَلَقَهُ اللهُ سبحانه وتعالى لِلتَّمَكُّنِ بِواسِطتِهِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِنَعيمِ الْجَنَّةِ ،كَخَلْقِهِ سبحانه وتعالى لِجوارحِ الْجَنِينِ لِيتمتّعَ بِها في الْحياةِ الدنيا لا في بطْنِ أُمِّهِ !وهذا الْمِقْدارُ لا قُيودَ عليه ولا ضابِطَ لَهُ ،وإذا ضَعُفَتْ نَفْسُ الإنسانِ وتَقاصَرَتْ هِمَّتُهُ انطلقَ بِهِ إلى المعصيَةِ التي لا يكونُ لَحْظَةَ ارْتِكابِهِ لها مُؤْمِنًا !وقد جاء ذلك في حديثِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم وبارك :" لا يَزْنِي الزَّانِي حينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ ،ولا يَسْرِقُ السارقُ حين يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ " ،
هذِه الطاقةُ المقابلةُ لطاقةِ الطاعةِ لَمْ تُخْلَقْ لِلْحَياةِ الدُّنيا كما قُلْتُ ،وإنّما خَلَقَها اللهُ سُبْحانَهُ وتعالى لِنَعيمِ الْجَنَّةِ ،فَمَنْ أَهْدَرَها في شهواتِهِ في الدنيا جاءَ يومَ القيامةِ صِفْرًا مِنْ أَيِّ قُدْرَةٍ على التمتعِ بِنَعِيمِ الآخِرةِ ،وقيلَ له : " أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكمْ فِي حَيَاتِكمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِها " ،وقيلَ لِمُقابِلِهِ :" اُدْخُلُوا الْجَنّةَ أنتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ يُطَافُ عليهم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وأَكوَابٍ وفيها ما تَشْتَهِيهِ الَانفُسُ وَتَلَذُّ الَاعْيُنُ وأنتُمْ فيها خَالِدُونَ " ،
وبِقدْرِ صِحَّةِ توْبةِ الْعاصِي يَتجدَّدُ هذا الْمِقدارُ ،ولكن لا توبةَ مَعَ الْإصْرارِ على مُعاوَدةِ ارْتكابِ ذَاتِ الْمعْصيةِ التي تُبْتَ مِنْها أو نَوْعِها ،وذلك يعني أن ما أهدرتَ من طاقةِ التمتعِ بنعيم الآخرةِ لن تتمكّنَ مِنِ اسْتِعادتِهِ إلا بِتوبةٍ نَّصُوحٍ .