مِثَالٌ أَوَّلُ :
ضَرَبَ حُجَّةُ الْإِسلامِ الْإمامُ أبو حامِدٍ الْغزاليُّ رحمه الله تعلى ،مَثَلًا لِّمَنْ أَلْهاهُ الْعَرَضُ عَنِ الْجَوْهَرِ ،وأبْهَرَهُ اللفظُ عَنِ المَعْنَى ،وانشغَلَ بِالرُّسومِ والْمَبانِي عَنِ الحقائقِ والمَعانِي ،بِمَلِكٍ بَعَثَ إلى أَحَدِ عُمَّالِهِ بِرسالةٍ ضَمَّنَها أوامِرَ مُسْتَعْجَلَةً يَجِبُ عليهِ تنفِيذُها بِلَا تَأْخيرٍ ،فلمّا وصَلَتْه الرسالةُ تَشاغَلَ بِشَكْلِ الصحيفةِ وطبيعة الْمدادِ ،وما جرَى مَجْرَاهما عن قراءتِها وتَنفيذِ أَوامِرِ الملكِ إلى أَن فاتَ الْوَقْتُ الْمَخْصوصُ لذلكَ ،فاسْتَوْجَبَ سَخطَ الْمَلِكِ وعِقابَهُ !!
مثالٌ ثَانٍ :
*يُقالُ إن الدَّجاجَ كان يَطِيرُ كَبَاقِي الطَّيْرِ ،لكِنَّهُ فُتِنَ بِالْتِقاطِ الْحَبِّ ،فانْهَمَكَ فيه ،فَأَخْلَدَ إِلَي الْأَرْضِ !!
الْغايةُ مِنَ الْمِثالَيْنِ :
لِطرِيقِ إِصلاحِ الْأُمَّةِ بُنَيَّاتٌ هِي لِلْمُلْتَهِينَ بِهَا قَاصِمَاتُ الظَّهْرِ ،ومُعِيقاتُ الْعزَائِمِ ،جُزْئِيَّاتٌ تُلْهِي عَنِ الْكُلِّيَّاتِ ،اِهْتِمَاماتٌ تَشْغَلُ عَنِ الْمُهمّاتِ ،مِنْ أمثِلةِ ذَلِكَ لَيُّ الْعُنُقِ إِلَى مَاضِي الْأُمَّةِ واسْتِدْعاءُ مَاجَرَيَاتٍ بَتَّ فيها السلفُ بِمُقْتَضَى حالِ زَمانِهم ،واسْتِثارتُها بِسوءِ نِيَّةٍ بِدَعْوَى الْإصلاحِ !وأَيُّ إصلاحٍ يُنتظَرُ مِن فَاقِدِ الْحِكْمَةِ التِي هي الْخَيرُ كلُّه ؟ فمِثلُ هذا الْمُبْتَلَى يَتردَّدُ فِكرُه في هذه الخانةِ كَتَرَدُّدِ الْعِرْبِيدِ في الْحانةِ إلى أن يضيعَ عُمُرُه سُدًى ،ولو أحسنَ النيةَ ،وصَدَقَ ما عاهدَ اللهَ عليهِ ،لَأَمْضَى وقْتَهُ في جَمْعِ الكلمةِ والتعليمِ وكَشْفِ الْحِيَلِ التي أَوْقَعَنَا في حبَائِلِها أعداؤُنا ،ومِنْ أَخطَرِها التَّسْليمُ بِاسْتِحالةِ الْتِحاقِنَا بِرَكْبِ الْحضارةِ ،فنَشَأ مِن ذَلِكَ التَّسليمِ الِاستِيقانُ بِلَا جَدْوائِيَّةِ الْعملِ مِنْ أجْلِ الْمَصلحةِ الْعامَّةِ ،
وقِسْ على ذلك فَستَزْدَحمُ في فِكْرِكَ صُوَرٌ لِوَقائعَ شَتَّى .