إِنَّمَا نُهِينَا عَنِ الِاستِغفارِ لِمَن مَّاتَ غَيْرَ مُسلِمٍ ،ولم أطَّلِعْ على نَهْيٍ صَريحٍ عنِ التَّرَحُّمِ ،فالِاسْتغفارُ مَحَلُّ قَبُولِهِ انتِفَاءُ الشِّرْكِ عَنِ الْمُسْتَغْفَرِ لَهُ ،فاللهُ سبحانه وتعالى يَغْفِرُ الذنوبَ جميعًا ،ولا يَغْفِرُ أنْ يُّشْرَكَ بِهِ ،فيَكونُ طلبُ المَغْفِرَةِ لِلْمُشِرِكِ طلَبَ ما لا يَكُونُ بِحالٍ ،وأَدْنَى حالاتِ ذلك أن يوصفَ فاعِلُهُ وقدْ علِمَ النهْيَ عنْهُ بِسُوءِ الْأَدَبِ مع اللهِ عزَّ وجَلَّ وارْتِكابِ مَا نَهَى عنْهُ ،
أمَّا الترحُّمُ فهو مَراحلُ أدْناها التَّخْفيفُ في الْبرْزَخِ ،وأعْلَى مِن ذَلِكَ الحصولُ على حَظٍّ من التسعةِ والتسعين جُزْءًا من الرحمةِ التِي ادَّخَرَ اللهُ للتعامُلِ مع خَلْقِهِ يَوْمَ الْقيامةِ ،وكل ما هو في هذه الدنيا من رحمة الله فهو جُزْءٌ واحدٌ من المائَةِ جُزْءٍ ،وبِها يتراحَمُ الْخلقُ بينهم حتى الدوابُّ ،وهاتان الرَّحْمَتَانِ مِنَ اللهِ أي رحمة التَّخفيفِ في الْبَرْزخِ ،ورحمةُ التسعةِ والتسعين جُزْءًا لِسائرِ خَلْقِهِ ،التّرَحُّمُ بِهما لغيرِ المسلمِ وفاءً وشفقةً لا يَنْهَى عنْه إلا مَنْ حُرِمَ الْبَصيرةَ ، وأعْلى مِنْ هاتيْنِ الرحمتينِ رحمةُ الجنةُ ،وهي كتبَها الله سبحانه وتعلى للمسلمين ،قال تعالى :"وأَمَّا الذين ابْيَضَّتْ وُجوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُم فيها خالِدُونَ " .
وخلافُ العلماءِ حول دَعْوةٍ ثانيةٍ لمن مَّاتوا على الكُفْرِ ،ولم تَبْلُغْهم دعوةُ الإسْلَامِ أو بلَغَتْهم مُّنَفِّرَةً فلمْ يَدْخلوا فيها لذلك ،خِلافٌ معلومٌ وإن لم يشتَهِرْ ،وفي قولِ الله تعلى:
" وَمَا كُنا مُعذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسولًا " ما يُقوِّي مَا ذهبَ إليْهِ الْقائلون بِهَا .والله سبحانه وتعالى أعلمُ ،وهو أحْكَمُ الْحاكمين .