الْمُوَشَّحاتُ فَنٌّ شِعْرِيٌّ جميلٌ مُّطْرِبٌ ،اشتَهَرَ في بِلادِ الأندلسِ رَدَّها اللهُ إلى دِيارِ الإسلامِ ،وكان مِن سَعيدِ حُظُوظِنا وجودُ مُوشحاتٍ ضمْنَ مُقررِنا لمادّةِ اللغةِ العربيةِ وآدابِها ،ولما بدأ أحدُ أساتذةِ اللغةِ الْمُتَمَكِّنين في تدريسِها لنا ،ونحن في السنة الثانية ثانوي ،كان مِن جُملةِ كلامِهِ قوْلُهُ :" إن الموشحاتِ لها أوزانُها " ،كأنه يُشيرُ إلى أن أوزانَها غَيْرُ الأوزانِ الْخليليةِ ! قُلْتُ له - بعدَ أن أعطانِي الإذنَ في الكلامِ - : إن أوزانَها هي ذاتُ أوزانِ البحورِ الخليليةِ ! فسألني مُستغْربًا :كيف ذلك وقد أخبرَنا أساتذتُنا بِما قُلْتُ لكم ؟قُلتُ له : جادَكَ الْغيْثُ إذا الْغيثُ هَمَى ،هذا بَحْرُ الرَّمَلِ ،يَا لَيْلُ ! الصَّبُّ مَتَى غَدُهُ ؟ هذا بحرُ الْمُتَدارَكِ ،فسكتَ بُرْهَةً كأنه يَتَحقَّقُ ذِهْنِيًّا مِّمَّا قُلْتُ ،ثم قال :صَدَقْتَ .
ورغمَ جمَالِ هذا الْفنِّ ونُبْلِهِ ورُقِيِّهِ فإنه نادرٌ جِدًّا - حسب مطالعتي - في أدَبِنا الموريتانيِّ ،وقد وقفْتُ على مُوشَّحتَين إحداهما لِلشيخِ سِيدِيَ بْنِ المُختار بن الْهَيْبَ ،وهي من مجزوءِ الرجز ،يقولُ فيها :
وَأَمِّلُوا ظَفْرَكُمُ...وَجَمِّلُوا صَبْرَكُمُ
وَفَوِّضُوا أَمْرَكُمُ...إِلَى الْعَلِيِّ الصَّمَدِ
وَحَاوِلُوا فِطْرَكُمُ...مِنَ الْخِضَمِّ الْمُزْبِدِ
فَمَن سَقَاهُ يُنتَقَى...وَيَتَّقِي كُلَّ التُّقَى
وَلَا يَخَافُ مُتَّقَى...سِوَى الْمَلِيكِ الْأَحَدِ
وَيَنتَهِي فِي الِارْتَقَا...إِلَى الْمَقَامِ الْأَصْعَدِ
والثانية لابْنِهِ الشيخ سيدِ محمد ،من مجزوء الرجز كذلك .ويقول فيها :
لِلشِّعْرِ رُوحٌ زَهَقَا...أَوْ كَادَ إن لَّمْ يَزْهَقِ
حَتَّى رَدَدتَّ الرَّمَقَا ...فِي شِلْوِهِ الْمُمَزَّقِ
نَفْخَ الْمَسِيحِ الْمُنتَقَى...فِي الطَّائِرِ الْمُخَلَّقِ
وَبَحْرُهُ إذْ دَفَقَا ... فِي لُجِّهِ الْمُعَمَّقِ
ضَرَبْتَهُ فَانفَلَقَا ...فَسِرْتَ دُونَ زَوْرَقِ
فَإِن أتَى لِيَلْحَقَا... بِكَ جَهُولٌ يَغْرَقِ
كَمَا جَرَى وَاتَّفَقَا...لِمَلْكِ مِصْرَ الْأَحْمَقِ
فَكَانَ مِن فَرْطِ الشَّقَا ...هَلَاكُهُ بِالْغَرَقِ
فَتَحْتَ بَابًا مُغْلَقَا ... وسَّعْتَ كُلَّ ضَيِّقِ
لَمَّا فَكَكْتَ الرِّبَقَا...عَن كُلِّ عَانٍ مُوثَقِ
كَما النَّبِيُّ أَطْلَقَا ...سَبْيَ بنِي المُصْطلِقِ
ولَرُبَّما يكونُ نظامُ أوزانِ لِغْنَ الْحَسانِيِّ امْتِدادًا لنظامِ الْمُوَشّحاتِ ،
كما أنَّ مَجْلِسَ الأتايِ في أُصولِهِ الأولى يُحاكِي مجالِسَ الأنسِ الأندلسيةِ ،ألا يَدْفعُ هذا وذاك وأُمورٌ أخرى إلى احْتمالِ وجودِ علاقةٍ حقيقيةٍ بينَنا وبين الأندلسِ !!؟