مِن ذِكرياتِ الطفولةِ
الحاج موسَى بَاجِي رحمه الله تعالى
مَا تَزَالُ صورةُ هذَا الْجُولَاوِيِّ النَّبيلِ تَحْتَلُّ في ذاكرتِي الْعمِيقةِ مَوَاقِعَ لها عصِيَّةً على النسيانِ أَوِ الِالْتِباسِ ،
جاءَنَا تِلْمِيذَ خِدْمةٍ للوالدِ في بِرْكَامَ ،فأسْكنَهُ في منزِلِنا العائلِيِّ الكبيرِ الذي كان يَجْمعُنا مَعًا أُسَرًا عديدةً لكل منها مساكنُها الخاصةُ ،لا يَفْتَرِقونَ إلا بِالْخروجِ لِلْعملِ ،أو المدارسِ ،وكان المنزلُ العائلِيُّ مَأْوًى كرِيمًا لكلِّ ضيفٍ ولكلِّ مُعْوِزٍ ،
أَخذَ الْحاجُّ موسى بَاجِي مَكانَ الْعِنايةِ بِي ،ثم بباقيِ الإخوةِ حفظهم اللهُ ،رغمَ وجودِ سيداتٍ ذلكَ هو عملُهنَّ حَصْرًا ،لكنه كان مُختَلِفًا ،فقد كان مَدْرَسةَ زُهْدٍ وأخلاقٍ في تواضُعِهِ وحُبِّهِ لِلْمَساكينِ وتَقْدِيمِ النصيحةِ بِصِدْقٍ وتَجَرُّدٍ ،
وكان عظيمَ الشفقةِ شَدِيدَ التعلقِ بِنَا ،وذاتَ يوْمٍ دعاهُ رئيسُ الدولةِ لزِيارتهِ ،فلمّا تَهَيَّأَ لِلذهابِ إليهِ ،رَجَعَ وخلعَ ثيابَهُ الفاخرةَ ولبسَ مَعاوِزَهُ (المعاوزُ الثياب المُمْتهَنةُ للبيتِ والراحةِ )،فتعجّبَ الحاضرون وسألوه عن سببِ عدمِ تَلبيتِهِ لدعوةِ الرئيسِ ،فقالَ رحمه الله تعالى وجزاه خيرا :خِفْتُ على هؤلاءِ الأبناءِ أن تُشْغَلوا عنهمْ فيُصيبَهم مكروهٌ !!
ولما حَلَلْنَا واسِطَةَ الْبلادِ أبا تِلِميتَ لَبِثَ معنا سَنواتٍ ،فكان كلما رآنا ذاهبينَ إلى لِمْرابِطْ يقولُ هذه الكلماتِ الْجميلةَ المُباركةَ :" اِجْتَهِدُوا في طلبِ الْعِلْمِ فإنَّ الْعِلْمَ حَقْلُكُمْ " ،ذلكَ أنه من بِيئَةٍ زِراعيّةٍ فَعَبَّرَ بِاصْطِلاحاتِها ،رحمه الله تعالى رحمةً واسعةً ،وجعل له القبرَ روضةً من رياضِ الجنةِ ،آمين .
إبراهيم بن موسى بن الشيخ سيدي