الدِّينُ والإنسانُ والطبيعةُ /إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ
هلِ الدِّينُ يَدْفَعُ بِالْإِنسانِ إِلَى الِاسْتسلام لِلطبيعةِ ،أَمْ إِلى مُغالَبَتِها ؟
هذا سؤالٌ كَبيرٌ عَرَضتُّهُ على نَفْسِي وسطَ رُهَابِ استشعارِ قيامِ الساعةِ الذي أَثْخَنَ فِي نُفوسِ مَرْضَى الْقلوبِ ،فيُؤَوِّلونَ كلَّ حادِثَةٍ بِأنها شَرَطٌ مِّنْ أَشْرَاطِ الساعةِ !ويَلْفِتُونَ نَظَرَ الْعامَّةِ عَنْ وَّاقِعِهم ،ويَشْغلونَ الناسَ عَنْ إِعْمالِ عُقولِهمُ التي مَيَّزَهمُ اللهُ بِهَا عَن بَهيمةِ الْأَنْعامِ حتى يُفَوِّتُوا عليهم دِراسةَ الكوارثِ ،والتعرُّفَ على أسبابِ حدوثِها ،ونِطاقِ تَدْمِيرِها ،وكيفيةِ تَجَنُّبِ حدوثِها مُستقْبَلًا ،هؤُلاءِ أَفيُونُ العقولِ ،وأعداءُ خِلَافَةِ الإنسانِ على أرْضِ اللهِ ،يَهْدِمونَ في الإنسانِ الْقوّةَ والْعزِيمةَ وغيرَهما مِنْ أَسْبابِ التَّمْكِينِ ،ويَطْرَحونَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْوَهْمِ والْوَهَنِ والْخَيَالِ والْخَبالِ ،فمَا يَبْرَحُها حتى يَتِيهَ في غَياباتِ الْعَجْزِ !
إن الطبيعةَ مَجبولةٌ مِّنَ اللهِ على أن تكونَ بِيدِ الإنسانِ طَيِّعةً مُّسَخَّرَةً لِّتَكونَ الأرْضُ مِهادًا ،والسماءُ بِنَاءً ،والشمْسُ ضِيَاءً ،والْقَمَرُ نُورًا ،والرِّيَاحُ لَواقِحَ لِلسُّحُبِ والنَّبَاتِ والشَّجَرِ ،والْبِحارُ مَوَاخِرَ ومَنافِعَ ،والْجِبالُ كُهوفًا ومَرَاسِيَ ،والنُّجُومُ علاماتٍ لِّلِاهْتِداءِ وَتَغَيُّرَاتِ الْمُنَاخِ ،وعلَّمَ اللهُ الإنسانَ فَفَطَرَهُ على حُبِّ السَّيْطَرَةِ ،وغَرِيزَةِ الْحُكْمِ ،وجعلَهُ سَيِّدًا ،
فأيْنَ هذا مِن زَعقَاتِ دُعاةِ خُنوعِ الإنسانِ وبَقائِهِ مُرْتَجِفَ الْفؤادِ جَزُوعًا يَكَادُ يَنْخَلِعُ قَلْبُهُ مِنَ الْهَلَعِ إِذْ يَرْبِطونَهُ بِحُلُولِ آخِرَةٍ حَجَبَ اللهُ عِلْمَهَا عَنْ أَكْملِ الْخلْقِ وأَفضَلِهم وأَعْرَفِهِم بِرَبِّهم سَيِّدي وَمَوْلايَ حَبيبي محمد صلى الله عليه وسلم ؟
سيَقولونَ قال الله عز وجلَّ :"وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا " ،قُل لَّهم : أليست تِّلْكَ الآياتُ مَا يَسألُهُ الكافرون رُسلَهم من المُعجزاتِ والْخوارقِ ،فبعدَ حصولِها لا يكونُ لِلْإعْذارِ مَحَلٌّ !نَسْألُ اللهَ العافيةَ ،
ثُمَّ قُل لَّهُمْ أَلَا تَذْكُرونَ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ مُمْتَنًّا على سيدِنا آدمَ - على نبِيِّنا وعليهِ السلامُ - وسائِرِ بَنِيهِ إلى يومِ القيامةِ ،فقال جلَّ جلالُهُ :
" هُوَ الذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جميعًا " .
والحمدُ لِلهِ مُبْدِئِ الًخَلْقِ وَمُعِيدِهِ مَبْدَأَ الْخَلْقِ وَمُنتَهَاهُ .