عُقودُ الشبابِ ،فتراتُ ازدِهارهِ ،سِنُو أَوْجِهِ وَتَفَتُّحِ أَزْهارِه ،تَنقَضِي بَرْقًا خاطِفًا ،خَيالًا عابِرًا ،لَحْظَةً سائِرةً ،حُلُمًا جمِيلًا ،أو كوابِيسَ مُرْعِبًةً ،تَمْضي تلك الفتراتُ مُتَحرِّكةً تَحَرُّكَ الظِّلِّ ،فلا تَشْعُرُ بِحَرَتِكها لَوْلا آثارُها الْغائرَةُ ،وتَغْيِيرَاتُها الظاهِرةُ :اِبْيِضَاضُ الشعرِ ،وارْتِخاءُ بعضِ العضلاتِ ،وظهورُ التجاعيدِ .. ،وكذلك الظِّلُّ لا تَشعرُ بِحركتِه إلا بِمرورِ الْوَقْتِ ،وتَغَيُّرِ ظُرُوفِهِ !!
فِي هذه الْقصيدةِ ( على القول بِأن القصيدةَ مِن سبعةِ أبياتٍ فَمَا فَوْقَهَا ) أُحاوِلُ بِلُغةِ الشعرِ تَرجمةَ هذه الحالةِ الْمَوْعِظةِ ،ضِمْنَ محاولاتٍ عديدةٍ ،مُنذُ أزْمِنةٍ مَّدِيدةٍ ،شَملتْ قُسَّ بْنَ ساعدةَ الْإيَادِيِّ ،وأُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي شِعْرِهما ،كما شَمَلَتْ شِقًّا وَسَطِيحًا في سَجْعِهِمَا ،
أقولُ :
وَعِقْدٍ تَوَلَّى إِثْرَ عِقْدَيْنِ مِثْلَمَا // تَقَضَّتْ بِأُنسٍ هَادِئٍ لَّحَظَاتُ
كَأنَّ الذِي قَدْ كانَ حُلْمٌ لِّنَائِمٍ // وَطَيْفُ خَيَالٍ صَاغَتِ الْخَطَرَاتُ
وَسَهْوُ شَرُودِ الذِّهْنِ نَبَّهَهُ - وَقَدْ //سَهَا - أَن مَّضَتْ مِنْ عُمْرِهِ الْفقراتُ
فَيَا بَاكِيًا حُزْنًا على زَمَنٍ مَّضَى // بُكَاؤُكَ لَا يُجْدِي ولَا الْعَبَرَاتُ
فَجِدَّ فَإِنَّ الْجِدَّ يُرْجِعُ بَعْضُهُ // مِنَ الْعُمْرِ مَا لا تُرْجِعُ الْحَسَرَاتُ
وفِي الْعُمْرِ كُلِّ الْعُمْرِ فُرْصَةُ عَاقِلٍ // تُعَوِّضُ ما قَد ضيَّعَتْ غَفَلَاتُ
فَكُن مُّسْتَعِدًّا دَائِمًا لِّاغْتِنَامِها // فَإِنْ هِيَ ضَاعَتْ دامَتِ النَّكَسَاتُ