تَأَخَّرْتُ كثيرًا عن الْكتابةِ حَوْلَ هذا الْموضوعِ الْمُؤَرِّقِ ،وقدْ عَوَّدتُّ نفْسِي على الِاخْتِصارِ تَمَاشِيًا مع طبيعةِ عالَمِنا اليوْمَ الذي لا يُتاحُ فيه لِلقراءةِ إلا فتراتُ تناولِ الشايِ أو الْقهوةِ ،
مُلخصُ هذا الموضوعِ الْخطيرِ هو تَشَكُّلُ ظاهرةِ الشبَابِ الْعَالَةِ الْمُدَلَّلِينَ الذين تتوَلَّى أَُّمّهاتُهم كلَّ تَفَاصيلِ حياتِهم من ضرورَاتٍ وكَمَالَاتٍ وزَائِدٍ على الْكمالاتِ !! وهم شبابٌ أَسْوِيَاءُ أَقوِياءُ أصِحّاءُ ،لكنّ مُبالغةَ الأمّهاتِ في الإِشفاقِ ،والعطفِ الزائدِ عليهم ،والْخوْفِ مِنْ أن تُصيبَهم ضَرْبةُ شَمْسٍ ،أو يَعْثرَ أحدُهم فيَقَعَ على وجْهِهِ الْبَدْرِيِّ الْبَهِيِّ فتَنكَسِرَ أَرْنَبَةُ أنفِهِ !جعلَهم كالدِّيكوراتِ مع فارِقِ التكاليف والأعباءِ منهم ،
حتى إذا رأى أحدُهم إحْدَى الْحَسْناواتِ اللاتِي بَرَزْنَ إلى الْحَياةِ غَيرَ لَاهِياتٍ ولا مُغْترَّاتٍ بِحْسْنهِنَّ الْآسِرِ ،ولا بِجَمالِ قُدُودِهِنَّ السَّاحرِ ،النواعِمِ الْفوَاتِنِ ،اللَّائِي صَدَقَ فِيهنَّ وَصفُ الْحَرِيرِيِّ في بَدِيعياتِهِ الْفَرَائِدِ فِي إحْدَى مَقاماتِهِ :
زُيِّنَتْ زَيْنَبٌ بِقَدٍّ يَقُدُّ :: وَتَلَاهُ - وَيْلَاهُ - نَهْدٌ يَهُدُّ
فَمَا مَنَعَهُنَّ مَا مَنَحَهُنُّ الْبَدِيعُ جلَّ جلالُهُ مِنَ الْجَمالِ مِنَ الزَّجِّ بِأنفسهِنَّ في زِحامِ الحياةِ مُحْصَناتٍ غيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ حتى نِلْنَ عُلْيَا الشهاداتِ في سائر الِاخْتِصاصاتِ ،
فإذا رأى أحدُ هؤلاءِ الْمساكينِ إحْدَى هؤلاءِ الفواتِنِ جاءَ إلى أُمِّهِ المِسكينةِ الفقيرةِ الضائعةِ بين احْتِمالِهِ هو واحتمالِ همومِ الْحياةِ الأخرَى ،فأخبرها بِتعلقِهِ بِتلك الْبنتِ ،وأنه لا بُدَّ مِن الزواجِ مِنْها ،
فكأني بِأمِّهِ يكادُ ينقطِعُ نَفَسُها ،وتَزْهَقُ نَفْسُها ،حَيْرَى إلى مَن تَلْجَأُ باذِلَةً بقَايَا مَاءِ وَجْهِهَا ،وأَشَايَا يَسِيرةً مِن كَرَامَتِها ،حتى تُوَفِّرَ لِهذا الْكَلِّ ،الْعِبْءِ ،تَكاليفَ زواجِهِ ،فَتَطْرُقُ الأبوابَ ،وتَتسوَّلُ ،وفي الناسِ مَنْ يَّرْحَمُ وفيهم مَّن لَّا يَرْحمُ ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق