نَفْثَةُ مَصْدُورٍ /إبراهيم بن موسى بن الشيخ سِيدِيَ
صُورَتَانِ عَنِ الْإِسلامِ تَتَدَافَعَانِ فِي مُخَيِّلَتِي ؛كِلْتَا الصورَتَيْنِ ذَاتُ جَاذِبِيَّةٍ على تَفَاوُتِهما !
أُولَى الصُّورَتيْنِ :
الْإِسْلامُ من بدَايةِ نُزولِ سورةِ الْقَلَمِ " اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ " - (وتسميتُها بهذا الِاسمِ بدلا من سورة الْعَلَقِ مِنِ اختِيارِ عُلماءَ مِنَ الصدْرِ الأولِ ،وسَمَّوْا سورةَ الْقلمِ التي تَلي سورةَ الْمُلْكِ بِسورةِ " ن " ) - إلى خُطبةِ حجةِ الْودَاعِ التي قالَ فيها الصادِقُ الْمَصْدُوقُ عليه أفضلُ الصلاةِ وأكملُ التسليمِ :" تَرَكْتُكُمْ على الْمَحجَّةِ الْبَيضاءِ ،لَيْلُها كَنَهارِها لَا يَزِيغُ عَنْها بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ، وَمَنْ يَّعِشْ مِنكم فَسَيَرَى اخْتِلافًا كثِيرًا فعَليكم بِما عَرَفْتُم من سُنتي وسنةِ الخلفاءِ الْمَهْديين من بعدِي عضُّوا عليها بِالنواجِذِ ،وعليكم بِالطاعةِ .."
الصورةُ الثانيةُ :
الْإسلامُ بَعْدَ أقَلَّ مِن قَرْنٍ تقريبًا من وفاةِ الرحْمَةِ المُهْدَاة سيدِنا ومولانا محمدٍ صلى الله عليه وسلم إلى يومِنا هذا ،وهو إسلامٌ حَافِلٌ بِالْمذَاهِبِ والطُّرُقِ وأصحابِ الِاتّجاهاتِ الْمُتضاربةِ والمُتنَاطحةِ ،وأهْلِ الأهواءِ والآراءِ ،
قِراءَتِي لِلصُّورتَيْنِ :
في الصورةِ الأولى تَصوَّرْتُ نَاسًا يَدْخلونَ فِي دِينِ اللهِ مُسلمينَ ومؤمنِينَ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ وَعَهْدِ الْخِلافةِ الرَّاشِدَةِ فلا يَتَساءَلونَ عنِ الْجَوْهَرِ والْعَرَضِ ولا يَجْمَحونَ إِلَى النظرِ في التَّجْسيمِ والتّعطيلِ ،ولا يتوَقَّفونَ عندَ التشبيهِ والتفويضِ ،ولا يَشْغَلُ بالَهمُ الْفَرْقُ بيْنَ الْأسماءِ والصِّفاتِ ،ولا تذْهَبُ نُفوسُهمُ الزَّكِيَّةُ الْمُباركةُ إلى الْخَوْضِ فِي الْمَعِيَّةِ والتَّعالِي ،ولا يَسْأَلونَ بِأَيْنَ ولا بِكَيْفَ !
هؤلاءِ أدْرَكوا بِالْفِطْرةِ النَّقِيَّةِ السَّوِيَّةِ مَعانِيَ قَوْلِ اللهِ عزَّ وَجَلَّ : " اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ " حتى قبل إسلامِهمْ ،
فَالْهِدايَةُ والْمُلْكُ والْإِعْزَازُ والإِذْلالُ واختلافُ الليلِ والنهارِ والْإحياءُ والإماتَةُ والرزْقُ مِلْكٌ خالِصٌ لِلهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَّشاءُ ،لا يُتَحايَلُِ عليها بِالْعقلِ إذ لا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْها ،
وَاقْرَأُوا إن شِئْتُمْ قولَه جَلَّ شأْنُهُ :" قُلِ اللهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ إلى آخرِ الآيةِ ،
هؤلاءِ عَلِموا أنَّ الله سبحانَهُ وتعالى هو الذي اصْطفاهم فأدْخلَهم في دِينِهِ " وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ "،
هؤلاءِ بالْفِطرةِ علموا أَنَّ لِلْعَقْلِ حُدودًا لا يَتَعَدَّاهَا بِحالٍ من الأحوالِ ،وأنَّ مَنْ يُّرِيدُ لَهُ أَنْ يَّتَعَدَّاهَا فإنّهُ سَيأْتيهِ بِاحْتِمالاتٍ وتفسيراتٍ وتبْريراتٍ وتأْويلاتٍ ،ويسْتَحِيلُ أَنْ يّأْتِيَهُ بِجَوابٍ قاطعٍ يَقينٍ ،فلمْ يَسْعَوْا طوالَ حياتِهم إلى " تَعْقيلِ الدِّينِ " !إِذْ يَسْتَحِيلُ أن يكونَ لِلْعَقْلِ سُلطانٌ على مَا هو فَوْقَ إدْرَاكِهِ وخارجَ تَصَوُّراتِهِ ،وهو بِذاتِهِ مُحصِّلةُ تَجاربَ نَتَجَتْ عن تَفاعُلِ الْحواسِّ مَعَ الْوسطِ الذي يعيشُ فِيهِ ؟
في الصورةِ الثانيةِ :
الإسلامُ كما نَعيشُ واقعَهُ الْيومَ ،
فَهَلْ حَمَتْ وحْدةَ الْمُسلمينَ وصانتْ عقائدَهم أساطِينُ عِلْمِ الْكَلامِ وسلاطينُ الْمَنطِقِ الْأرِسْطِيِّ ،الذينَ تَمَنَّى بَعْضُهمْ أنْ يَّلْقى اللهَ بِإيمانِ الْعَجائزِ الذي هو الإيمانُ الْبسيطُ النقيُّ الْواضحُ ،مُقِرًّا بذلكَ بِعثِيَّةِ تلكَ العلومِ عندما تُجُووِزَ بِها مَجَالُها الذي فُصِّلَ عَلَى مَقَاسِها
وأينَ عِلمُ الأصولِ والقواعدِ الفقهيةِ والِاجتهادُ والْقياسُ ،
وما في مَعْناها مِن علومٍ شَتى يَحْتَاجُ الإنسانُ إذا أرادَ معرِفَتَها إِلى الْإلْمامِ بِعلومٍ أُخْرَى شَتَّى ؟
فهَلْ كانَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والصحابةُ من بعدهِ يُهوِّلونَ على الناسِ الْفِقْهَ في دِينِ الله بِتَعْدَادِ عشراتِ العلومِ التي سيَحْتاجونَ لها حتى يَعرفوا ما افْتَرَضَ اللهُ عليهم من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ وحلالٍ وحرامٍ على نحْوِ ما يَمْلَأُ بِهِ أبصارَنَا وأَسْماعَنا بَعْضُ الْفُقهاءِ والْوُعَّاظِ وأشباهِ الْمُتكلِّمينَ ؟
والذينَ يَقولونَ بِأنَّ السليقةَ والطبيعةَ البشريّةَ والْفِطْرةَ تَخْتلِفُ حالتُها الآنَ عنْ حالتِها في الصدْرِ الأوَّلِ ،فهَلْ يَعْنُونَ بِذلكَ اضْطِرَارَ الْإسلامِ إلى دَوَامِ مُوَاءَمَتِهِ مَعَ كلِّ عَصْرٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ فَهْمُ أَهْلِهِ عن فُهومِ أهلِ العصورِ السابقةِ عليهِ ؟ألَا يَرَوْنَ في ذلكَ نقْضًا لِقولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم :" تَرَكْتُكُمْ على الْمَحجَّةِ الْبيضاءِ " ؟!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق